الشاب العربي المسلم وقضية الإلحاد

%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af

إذا ما أردت أن تصف العصر الذي نعيشه الآن من ناحية الفكر أو النظرة إلى ماهية المقصود من وجود الإنسان على هذه الأرض، لوجدت أن الشعور السائد عند الكثير من الشباب هو قول الشاعر

إننا في زمان لفرط شذوذه *** من لا يجن فيه ليس بعاقل

بعد ظهور شبكات الإنترنت وسهولة التواصل بين الناس من المشرق إلى المغرب والتي ذوبت الحدود وأتاحت الفرصة للجميع للإطلاع على أفكار ونمط حياة بعضهم البعض، وجد الشباب العربي المسلم نفسه أمام هجوم عاصف من التفكير والفلسلفة الغربية التي بنيت منذ عصر النهضة على إنكار الغيب والكفر بالله والأنبياء. زد على ذلك التقدم الباهر الذي حققه الغرب من ناحية العلوم التجريبية والتكنولوجيا وسيطرتهم السياسية المبنية على مبدأ الغابة في حقيقتها. كل ذلك وأكثر نتج كما يبدو في ظاهر الأمر بسبب تخلصهم من الدين والاستبداد الناتج من دمج سلطة الحاكم مع الكنيسة. فحينما ينظر الشاب العربي المسلم إلى حال الغرب من تقدم وازدهار ويقارنه بما يراه في بلاده، يجد نفسه إن كان سليم العقل يسأل عن الأسباب وراء هذه المفارقة بالرغم مما تعلمه في صغره عن حضارة المسلمين وقوتهم وما قيل له عن وعد الله لعباده بالنصر. ما يؤسف له أن سؤال الشاب العربي المسلم يجاب عنه بطريقة غير علمية أو مدروسة وإنما في الحقيقة هي طريقة انهزامية ومستكينة ويقول المجيب للسائل: يا بني، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر والله يعجل لهم النعيم هنا ونعيمنا ينتظرنا في الآخرة، وكأنما ضمنا نحن الجنة بالرغم من أن من بشر بها وإيمانه يرجح بإيمان هذه الأمة بأسرها يقول بأن لو كانت له قدم في الجنة وأخرى خارجها لما أمن حتى تدخل الأخرى. سؤال آخر يطرح نفسه أيضا، إذا كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ما بال أسلافنا من المسلمين في زمن الخلافة والازدهار الحضاري الذي نبكي على خسرانه الآن؟ هل كان الله يعجل لهم بالنعيم في دنياهم أم ماذا؟

هذه التساؤلات وغيرها يطرحها الشباب ولا يجدون أحدا يأخذ بيدهم من هذا التخبط ويجيبهم بإجابات شافية وكافية، مما يقودهم لقراءة كتابات وفلسفات الغربيين الذين يرون فيهم العبقرية والقدرة على الحديث معهم باللغة التي يحبونها ويألفونها. في حينما يسمعون توبيخ الشيخ على أسئلتهم وعلى تركيز الكثيرين ممن تصدروا لخدمة هذا الدين على أمور مثل اللحية والنقاب وما الذي كان من الأحداث بين الصحابة رضوان الله عليهم، يقرأ الشباب العربي المسلم ترجمات لفلاسفة الغرب الملاحدة مثل نيتشه وبيرتراند رَسل وغيرهم ويرون فيهم القدرة على نظم الكلام بطريقة تبدو منطقية تقود بهم إلى هاوية الإلحاد ولا يجدون من يحمي فكرهم منها

من أول الأخطاء التي يجب لفت نظر الشاب العربي المسلم قبل أن يقرأ في كتب الغرب أنهم قوم نموا في بيئة قمع من الكنيسة التي كانت تصادر الفكر وتمنع التقدم العلمي بحجة الدين. حينما أتى أحدهم ليقول أن الأرض هي التي تدور حول الشمس على عكس ما كانوا يظنون، قالوا اصلبوه وحرقوه. إذا بحثت في تاريخ المسلمين لن تجد أي حدث من هذا القبيل، بل فإنك ستجد علماء الدين هم الذين كانوا يقومون باكتشافات العلوم التجريبية التي أخذها الغرب منطلقا لهم في بداية عصر النهضة. هذه البيئة القمعية والتي كانت تحارب الفكر والتقدم العلمي والذي هو من طبيعة الإنسان الذي كرمه الله بالعقل ما كان لها إلا أن تصل إلى أن يثور الغربي ضدها ليتخلص من قيودها الاستبدادية

من الأمور أيضا التي يجب التفطن لها عند قراءة كتب فلاسفة الغرب أنهم يقعون في أخطاء منطقية فادحة بالرغم من أنهم يعتبرون من الجهابذة، فعلى سبيل المثال تجدهم لا يفرقون بين الواقع ونفس الشيء وتجدهم أيضا في كثير من الأحيان إذا أخذت تسلسهم المنطقي إلى آخره أنهم يلغون وظيفة العقل تماما مما يجعل القارئ في حيرة من أمره: هل لعقلي وظيفة فآخذ بما تقول؟ أم أنه ليس لعقلي ولا لعقلك وظيفة فأرمي بكتابك في سلة المهملات؟

أهم نصيحة للشاب العربي المسلم المحب للقراءة هي أن يكون عادلا في وزن الأمور. بما أنك ذهبت وبحثت وقرأت في كتب الغرب وفلاسفة الملحدين منهم، وأنك تحب المنهج العلمي في فهم الأمور، فعليك أيضا أن تذهب وتبحث وتقرأ في كتب أسلافنا المسلمين الذين كانوا قد واجهوا ملاحدة عصرهم الذين كانت حججهم لا تختلف البتة عن ملاحدة هذا العصر وأجابوا على كل منها الجواب المنطقي المنضبط والكافي لرد أي من شبهاتهم الواهية. واعلم أنك إذا اعتراك أي شك في أي مسألة أنها قد أثيرت من قبل وأجاب عليها علماؤنا أجوبة شافية كافية. من أجمل الكتب التي يمكنك أن تقرأ فيها المنطق على أصوله كتب الإمام أبو حامد الغزالي مثل”معيار العلم” أو “محك النظر” وغيرهم

الجميل في ديننا أننا لا يجوز لنا أن نكون مسلمين بالتقليد، فما أن وصل أحدنا إلى سن البلوغ وجب عليه أن يتعلم عقيدته ويسأل فيها حتى يستقر الإيمان في قلبه. أذكر من المتون الأولى التي درستها كان مؤلفها دائما ما يبدأ بقول: أول ما يجب على المكلف تصحيح إيمانه، أو بقول: أهمها عقائد ثم فروع، أو غيرها من الأقوال المشابهة لذلك. هذه الثقة من العلماء والأئمة لا تأتي إلا بعد دراية بما لديهم من الحق الدامغ الذي كان يجعل منهم من يقولون لملاحدة عصرهم: تعالوا وهاتوا ما عندكم

نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا ويزدنا علما